الكويرة المهجورة: كيف أغلقت الحرب والجدار والمنطقة العازلة طريق العودة
لم تُهجر الكويرة لأن أحداً نسيها. ثلاثة أبواب أُغلقت أمامها واحداً بعد الآخر: حرب 1975، ثم الوضع الخاص بعد انسحاب موريتانيا سنة 1979، ثم الجدار والمنطقة العازلة منذ 1991.
يتوقف الجدار الدفاعي المغربي قبل شبه جزيرة الرأس الأبيض… وبعده مدينة مغربية مهجورة. لماذا بقيت الكويرة المهجورة خالية من سكانها منذ نحو خمسين سنة؟ لأن ثلاثة أبواب أُغلقت أمامها، واحداً بعد الآخر.
في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة من ملف الكويرة، نتتبّع هذه الأبواب الثلاثة بالتواريخ والمصادر.
الباب الأول: ماذا حدث للكويرة سنة 1975؟
بعد المسيرة الخضراء، في نونبر 1975، غادر السكان الأوروبيون الكويرة على عجل، حسب تحقيق موقع «لوديسك» سنة 2016. وفي دجنبر من السنة نفسها، تحوّلت المدينة الهادئة إلى ساحة قتال، وسيطر عليها الجيش الموريتاني بعد نحو عشرة أيام من المعارك، وفق ما نقلته صحيفة «لوموند» آنذاك.
وفي مارس 1976، ألحق مرسوم موريتاني الكويرة بمدينة نواذيبو. وفي أبريل من السنة نفسها، وقّع المغرب وموريتانيا في الرباط اتفاقاً لترسيم الحدود بينهما.
الباب الثاني: لماذا لم تُسلَّم الكويرة سنة 1979؟
في غشت 1979، وقّعت موريتانيا في الجزائر اتفاقاً تخلّت بموجبه عن مطالبها في الصحراء. لكنها أعلنت في دجنبر 1979 أنها لن تُخلي الكويرة قبل «نهاية الأعمال القتالية»، حسب ما ينقله «لوديسك»، بسبب قرب المدينة من نواذيبو.
ومنذ ذلك الحين، الحضور الموريتاني في الكويرة حضور أمني، وليس مطالبة بالسيادة عليها. فموريتانيا تخلّت عن مطالبها في الصحراء باتفاق الجزائر.
الباب الثالث: كيف فصل الجدار والمنطقة العازلة الكويرة عن المغرب؟
بنى المغرب جداره الدفاعي على مراحل، واكتمل آخر جزء منه في الجنوب سنة 1987. وبقيت شبه جزيرة الرأس الأبيض خارجه. وكانت الكويرة قد وُصفت قبل ذلك، سنة 1984، بأنها «مدينة أشباح»، في شهادة لمراسل وكالة «أسوشيتد برس».
ثم دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ سنة 1991، وأُقيمت منطقة عازلة. ومنذ ذلك الحين، لا تستطيع القوات المسلحة الملكية الوصول إلى شبه الجزيرة، حسب «لوديسك».
هل تخلّى المغرب عن الكويرة؟
لا. فالكويرة جماعة مغربية لها منتخبون، ومقرّها في الداخلة، على بُعد أكثر من 400 كيلومتر شمالاً. وفي انتخابات شتنبر 2015، كانت الجماعة تضم 11 دائرة وأكثر من 2700 ناخب مسجّل، حسب «لوديسك».
وفي المقابل، لم يُسجّل إحصاء 2014 أي ساكن في الكويرة. وقد أوضحت المندوبية السامية للتخطيط، حسب المصدر نفسه، أنه لم يُعطَ أي رقم لأنه لم يكن هناك أحد. ويطرح التحقيق نفسه سؤال مكان إقامة الناخبين المسجّلين فعلياً.
هل تُفتح أبواب الكويرة يوماً؟
من مدينة للصيد، إلى خط رُسم في باريس، إلى ثلاثة أبواب مغلقة… لم تُهجر الكويرة لأن أحداً نسيها، بل لأن التاريخ أغلق الطريق إليها. ويبقى مستقبلها مرتبطاً بمستقبل ملف الصحراء كله، وبالمسار الذي فتحه مجلس الأمن حول مبادرة الحكم الذاتي.
اقرأوا الحلقتين السابقتين: قصة مدينة مغربية لا يسكنها أحد ومعاهدة باريس 1900: الخط الذي قسم الرأس الأبيض، وتابعوا ملفنا الجديد: مبادرة الحكم الذاتي: ما الذي تغيّر منذ 2007؟
المصادر الرسمية
- Le Desk، La ville-fantôme de Lagouira, symbole d’un conflit qui s’éternise، 2016 (يستند إلى أرشيف «لوموند» ووكالة «أسوشيتد برس» والمندوبية السامية للتخطيط).
- اتفاق الجزائر بين موريتانيا وجبهة البوليساريو، 5 غشت 1979.
اقرأ أيضاً
مبادرة الحكم الذاتي: ما الذي تغيّر بين 2007 والقرار الأممي 2797؟
معاهدة باريس 1900: الخط الذي قسم الرأس الأبيض… والمغرب لم يكن طرفاً
