الكويرة: قصة مدينة مغربية في أقصى الجنوب لا يسكنها أحد
الكويرة، آخر نقطة على خريطة المغرب جنوباً، مدينة بناها الإسبان سنة 1920 على شبه جزيرة الرأس الأبيض وعاشت على الصيد، ثم خلت من سكانها بعد حرب 1975. هذه قصتها كما توثّقها المصادر.
على بُعد نحو 1800 كيلومتر جنوبَ الرباط تقع آخر نقطة على خريطة المغرب: الكويرة. مدينة صغيرة على شبه جزيرة الرأس الأبيض، قرب مدينة نواذيبو الموريتانية، عاشت عقوداً على الصيد البحري… ولا يسكنها اليوم أحد.
في هذه الحلقة الأولى من ملف منبربريس عن الكويرة، نعود إلى نشأة المدينة، وإلى الوثائق التي تربط المنطقة بالدولة المغربية قبل الاستعمار، ثم إلى الطريقة التي تحوّلت بها إلى «مدينة أشباح».
أين تقع الكويرة بالضبط؟
تقع الكويرة في الطرف الغربي لشبه جزيرة الرأس الأبيض، المطلّة على المحيط الأطلسي. وتبعد عن الرباط نحو 1800 كيلومتر في خط مستقيم. وعلى الجهة الشرقية من شبه الجزيرة نفسها تقع نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا.
وفي التقسيم الإداري المغربي، الكويرة جماعة تابعة لإقليم أوسرد، بجهة الداخلة وادي الذهب.
كيف نشأت المدينة الحديثة؟
تأسست المدينة الحديثة سنة 1920 في عهد الاستعمار الإسباني. فقد أقام الإسبان مركزاً عسكرياً لحماية مصنع لتعليب السمك وتمليحه، حسب تحقيق نشره موقع «لوديسك» (Le Desk) سنة 2016.
ومع السنين، كبرت المدينة حول الصيد البحري وصناعة دقيق السمك. ويذكر التحقيق نفسه أنها ضمّت مدرسة ومستوصفاً ومكتب بريد وكنيسة، ومكاتب لبنكين، وخطاً بحرياً يربطها بجزر الكناري.
هل كانت المنطقة فراغاً قبل وصول الإسبان؟
لا. تُظهر الوثائق المغربية أن السلطة المركزية كانت حاضرة في الجنوب قبل الاستعمار. ففي سنة 1879، أصدر السلطان مولاي الحسن الأول ظهيراً يولّي فيه الشيخ ماء العينين نائباً عنه في الجنوب، وهو ظهير منشور ضمن كتاب «الصحراء المغربية من خلال الوثائق الملكية».
وفي 16 أكتوبر 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً حول الصحراء، أقرّت فيه بوجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تعيش في الإقليم:
«legal ties of allegiance between the Sultan of Morocco and some of the tribes»
«روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل» (ترجمة منبربريس)
محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري، 16 أكتوبر 1975
وللأمانة، أضافت المحكمة في الرأي نفسه أنها لم تثبت روابط سيادة إقليمية من شأنها وحدها أن تحسم مسألة تصفية الاستعمار في الإقليم. وهي نقطة يقرؤها المغرب ومن يخالفونه بطرق مختلفة إلى اليوم، ويستند المغرب إلى روابط البيعة دليلاً على امتداد سيادته التاريخية إلى الصحراء.
كيف تحوّلت الكويرة إلى مدينة أشباح؟
في سنة 1975 بدأ انسحاب إسبانيا من الصحراء، وهو انسحاب اكتمل في فبراير 1976. وفي الفترة نفسها دخلت موريتانيا منطقة الكويرة. ثم في سنة 1979 تخلّت موريتانيا عن مطالبها في الصحراء، لكن الكويرة بقيت حالة خاصة.
ورحل سكان المدينة واحداً بعد الآخر. وفي سنة 1984، وصفها مراسل لوكالة «أسوشيتد برس» زارها بأنها «مدينة أشباح»، حسب ما ينقله تحقيق «لوديسك».
ما وضع الكويرة اليوم؟
يعتبر المغرب الكويرة جزءاً لا يتجزأ من ترابه، ولها جماعة ومنتخبون يمثّلونها. لكنها بقيت خالية من السكان. فلماذا لم يعد إليها أهلها؟ ومن رسم الخط الذي قسم شبه الجزيرة بين الكويرة ونواذيبو؟
هذا ما نجيب عنه في الحلقتين القادمتين. اقرأوا الحلقة الثانية: معاهدة باريس 1900: الخط الذي قسم الرأس الأبيض، أو تصفّحوا ملف الكويرة كاملاً.
المصادر الرسمية
- محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الصحراء الغربية، 16 أكتوبر 1975.
- Le Desk، La ville-fantôme de Lagouira, symbole d’un conflit qui s’éternise، 2016.
- «الصحراء المغربية من خلال الوثائق الملكية»، ظهير السلطان مولاي الحسن الأول (1879).
اقرأ أيضاً
مبادرة الحكم الذاتي: ما الذي تغيّر بين 2007 والقرار الأممي 2797؟
الكويرة المهجورة: كيف أغلقت الحرب والجدار والمنطقة العازلة طريق العودة
